![]()
فضاء التخلف:ما بين الحوار( المنخور) و(الخواء) المفتوح
هل ترنا بحاجة, إلى تكرار ما بات معروفا,
حول طبيعة وحجم الدور الذي تلعبه القنوات الفضائية, في صياغة الرأي العام, في
أوساط المهاجرين من الدول العربية, والموزعين في شتى بقاع المعمورة؟!
يكفي أن نشير, إلى أن حجم هذا التأثير وصل
إلى درجة, بات معها من الشائع تصنيف المهاجرين على أساس قنواتهم الفضائية المفضلة
,تبعا بالطبع لطبيعة أنتمائتهم الفكرية وطبيعة توجهاتهم السياسية, وبحيث صار من
المألوف هذه الأيام سماع مفرادت من قبيل جماعة الجزيرة وجماعة آل MBC أو جماعة آل ANN…الخ وكما لو أن هذه
المفردات في طريقها إلى أن تغدو جزء من قاموس التداول اليومي للمهاجرين!
هذا التأثير المتزايد, الذي تمارسه القنوات
الفضائية, على وعي المهاجرين, وعلى صياغة مواقفهم, إزاء مختلف التطورات, وعلى نمط
تفكيرهم على الصعيد الاجتماعي بشكل خاص, يستند على معطيات محددة , لعل من بين
أبرزها, الاستعداد الذاتي, لتقبل هذا التأثير, بحكم الوعي الموروث, والحاجة الملحة
إلى الهروب باتجاه الماضي, جراء عجز الغالبية العظمى من المهاجرين, لعوامل ذاتية
وموضوعية, التأقلم مع مجتمعات, تختلف جذريا في مختلف المناحي عن مجتمعاتهم
السابقة, هذا إضافة إلى حاجتهم المشروعة والطبيعية, لمتابعة الجديد من مما يجري في
أوطانهم, جراء عجزهم عن متابعة هذه الأخبار والتطورات باللغات الأخرى.
هذا بالطبع, إلى جانب الدور, الذي تلعبه
البطالة في حياة المهاجرين, والتي تحاصر غالبيتهم العظمى, بكل تأثيراتها السلبية,
وبحيث تجعلهم مرغمين على الأنشداد ساعات طويلة كل يوم, إلى ما تقدمه هذه القنوات,
من برامج وأخبار لا تختلف كثيرا في مضامينها واهد أفها (تمجيد الطغاة وإشاعة
التخلف) إلا فقط بالشكل وصيغ التقديم, عما اعتادت القنوات المحلية تقديمه في سائر
البلدان العربية.
وما يزيد من خطورة دور هذه القنوات في
صياغة الرأي العام في أوساط المهاجرين, أن الجهات الداعمة لهذه القنوات, تدرك
صعوبة الترويج لأفكارها المتخلفة, على النحو الذي اعتادت عليه وسائل الدعاية في
البلدان العربية ..اعني بشكل مباشر ومثير للقرف وعبر مرتزقة لا يجيدون سوى أساليب
الصراخ والتهديد والوعيد…الخ!
و.......لذلك تحرص الجهات الداعمة لقنوات
التخلف العربية, على الاستعانة بمهارات وخبرات أجنبية, تملك باعا طويلا في العمل
مع التقنيات المتطورة , مع اختيار - في الحقيقة شراء!- مقدمي برامج, يملكون خبرات
واسعة, في فن خداع المتلقي, وخاصة من بين صفوف الثورجية أيام زمان, ممن تخلوا عن
مواقعهم وباتوا يضعون إمكانياتهم وخبراتهم رهن إشارة من يدفع اكثر ولكن بالعملة
الصعبة!
وهكذا بدلا من اعتماد تقنيات فقيرة و نص
خطاب دعائي مباشر وفج, بات هناك خطاب مختلف يعتمد أساسا على لغة الإيحاء والتلميح,
انطلاقا من حقيقة أن المتلقي( ونتحدث عن المهاجر تحديدا) جراء وجوده في بلدان
تسودها الديمقراطية ,بات على قدر اكبر من الوعي وبحيث يفهم ما تريده هذه القنوات,
دون الحاجة للوقوع في فخ المباشرة! إضافة إلى كل ذلك, علينا الإقرار بأن بعض هذه
القنوات, تمكنت إلى حد ما, من تحقيق قدر من النجاح في اكتساب بعض (المصداقية),
والتي تعد أحد أهم الشروط, لضمان التأثير على الرأي العام, وذلك من خلال تقديم
برامج تتناول بالصورة والصوت, موضوعات مثيرة للاهتمام, موضوعات وثائقية في الغالب,
ومن إنتاج كبريات شركات التلفزيون الأجنبية, مع محاولة اصطناع دور الحياد
والموضوعية عند عرض الأخبار المختلفة ..الخ الأساليب التي تعتمدها كما هو معروف
كبريات شركات الأخبار التلفزيونية وبشكل خاص الأمريكية التي تلعب دورا شديد
الفعالية في صناعة توجهات الرأي العام على النطاق المحلي والدولي!
ومتابعة جادة لما تقدمه قناة الجزيرة ورديفتها محطة ANN تأكيد لهذا الذي
نريد قوله, ويجب مراعاته, إذا ما كنا جادين في مواجهة محاولات قنوات التخلف,
التأثير سلبيا على وعي المهاجرين, وبشكل يحد كثيرا من قدرتهم على توظيف تواجدهم في
مجتمعات متطورة, لتعزيز وعيهم الحضاري والتخلص من سلطة التخلف ومنظومة الأفكار
المتعارضة مع روح العصر.
هذه المقدمة, كانت اكثر من ضرورية, قبل أن
نتساءل: هل بمقدور القنوات الفضائية العربية ممارسة دور مغاير لطبيعة توجهات
ومواقف الجهات الداعمة, والمعادية لكل ما يندرج في إطار الحريات الديمقراطية
واحترام حقوق الإنسان؟!
بوضوح وتحديد لا يقبل التأويل : هل يمكن
لنظام عشائري متخلف ومعادي للديمقراطية, أن يدعم ماليا - ونتحدث هنا عن الملايين!-
قناة فضائية مهمتها كما يزعمون إشاعة الوعي الديمقراطي؟!!
بالتأكيد ماكو داعي, للدخول في متاهات
النظرية, للرد سلبا على هذه التساؤلات, وللتأكيد على حقيقة, أن الأنظمة العربية
القائمة في وجودها على أساس القمع ومصادرة ابسط حقوق الإنسان, ومهما برعت في الدجل
ووضع المساحيق, ومهما نجحت في جر الأسماء اللامعة في مجال الصحافة والأدب, لا يمكن, بل من المستحيل, أن تقوم بالتبشير بما ما هو
نقيض, لوجودها أساسا وبكل المعايير!
و.......بالتالي علينا أن ندرك, أن هذه المحاولات
المثيرة للسخرية, لاصطناع دور الديمقراطية, تستهدف ,وأن كان بأساليب مختلفة,
محاصرة وعي الناس , بما في ذلك مطاردة حتى من هربوا من الجحيم إلى أوربا وسائر
بلدان اللجوء الأخرى, وبشكل يضمن إحكام السيطرة على عقولهم, عبر إشاعة التخلف
وتعزيزه بين صفوفهم ,وبشكل خاص من خلال استغلال مشاعر التدين, بشكل خاص, والموروث
الفكري والاجتماعي تحت غطاء من الصراخ حول حماية الدين والقومية التي يهددها الغرب
الكافر الإباحي الذي يريد الانتقام من هزائمه وخاصة..خاصة بعد الفوز الساحق
والماحق الذي حققه المهر العربي مبروك ببطولة العالم لسباق الخيل …الخ! فاقد الشيء لا يعطيه! مقولة ترقى إلى مستوى البديهيات
ومع ذلك نجد أنفسنا بحاجة الإشارة إلى هذه المقولة لأن هناك من يحاول إقناعنا
وخلافا لأبسط أشكال المنطق أن هذه المقولة لا تنطبق على (التوجهات الديمقراطية)
للقنوات الفضائية العربية رغم أن ملكيتها تعود إلى الأنظمة الدكتاتورية السائدة في
البلدان العربية بدليل…بدليل حرص هذه القنوات على (تقديم برامج للحوار المفتوح
وحيث يتم توفير الفرصة أمام جميع المشاهدين لمناقشة وطرح وجهات نظرهم بحرية وعلى
الهواء مباشرة) وبالتالي…وبالتالي..ينبغي توظيف هذه النوافذ الحرة لإيصال الحقيقة
إلى الجماهير..في…في..سومطرة!!
هذا المنطق, من السهولة تفهمه, حين ينطلق
من ناس, يملكون مستويات وعي متدنية, ويعيشون تحت وهج الدهشة, من معايشة شيء اسمه
حوار, وهي مفردة, لم يألفوها طوال حياتهم, قبل خروجهم من مستنقعات الدكتاتورية,
ولكن أن ينخدع بذلك من يدعون امتلاك ناصية الثقافة, ويفهمون الأمور وهي (طايرة في
الهوا!) فأن ذلك يستدعي وقفة جادة لوضع النقاط على الحروف, وفضح عملية تزييف
الوعي, التي يساهم فيها للأسف بعض المثقفين, ممن يحتلون مكانة متميزة, على الصعيد
الثقافي أو السياسي, وتحديدا الذين, تحرص قنوات التخلف, على استضافتهم, من اجل
إضفاء المصداقية, على توجهاتها الديمقراطية المزعومة, باعتماد مبدأ الحوار المباشر
بين مختلف وجهات النظر.
ترى لو كان الأمر كذلك حقا, لماذا إذن
والحالة هذه, يتم حشر هولاء المثقفين غالبا, في خانة ضيق الوقت, الذي هو مفتوح
كالعادة وبدون حدود, للطروحات المنسجمة تماما, ومواقف الجهات الداعمة لهذه
القنوات, وبحيث أن العديد من الذين, ارتضى المشاركة في هذه اللعبة, من منطلق
الوهم, بتوظيف هذه المشاركة بطريقة إيجابية, وجدوا أنفسهم خطيه, يتحولون إلى ما
يشبه الديكور, أو شهود زور لمنح المصداقية لطروحات وتوجهات تتعارض مع قناعاتهم
ومواقفهم الحقيقة, ولتتحول مشاركتهم بالتالي إلى مأزق حقيقي, جراء عدم إتاحة
المجال أمامهم, للمساهمة بالحديث, وعلى نحو متقطع, اكثر من عشرة دقائق, في برامج
يستغرق تقديمها ساعتين من الزمن! و.......هذا إذا
لم يتعرضوا بالطبع إلى ما هو اكثر من (البهذلة) على النحو الذي جرى مؤخرا, للامين
العام للحزب الاشتراكي في اليمن, والذي تعرض إلى إهانات مباشرة وصريحة, أثناء
مشاركته في برنامج (بلا حدود) الذي يقدمه المرتزق احمد ناصر عبر قناة الجزيرة !
وحتى......نقول حتى, لو استطاع هولاء المساكين تجاوز
الإهانات! وقول ما يشفي غليلهم في إطار الدقائق القليلة المتاحة أمامهم, فأن نسبة
الخسارة, التي تقدم عليها هذه القنوات, تكون في المحصلة النهائية, غير ذات تأثير,
مقارنة بحجم الجرعة (السامة) التي شربها المتلقي على امتداد البرنامج, وهي خسارة
ضئيلة, وتكاد أن لأتذكر, مقابل الربح الذي يتم تحقيقه من قبل هذه القنوات, على
صعيد اكتساب المزيد من المصداقية أمام المتلقي, جراء النجاح في ضمان مساهمة مثقفين
ومفكرين لهم مكانتهم المتميزة على الساحة العربية.
ماذا عن المساهمات الخارجية في هذه
البرامج, بهدف الإيحاء, بتوفر الفرصة أمام جميع من يرغب بالمشاركة (وقول ما يريد
وبكل حرية وبدون رقابة) وعلى الهواء مباشرة؟!
للوهلة الأولى يبدو الأمر على هذا النحو, ولكن متابعة
دقيقة, لنوعية المساهمات الخارجية, تشير إلى عكس ذلك تماما. و....لن نتوقف عند
المساهمات, التي تصب في خدمة توجهات هذه البرامج, والتي يتاح لها المجال, كل
المجال, لقول ما تريد مع كل الممنونية! وخصوصا أولئك الذين, يساهمون بصورة منتظمة, سواء تحت أسماء محددة, مثل
خالد عبد الستار من فرنسا وصبحي محمد علي من الأردن…الخ أو أولئك الذي يعمدون بين
آونة وأخرى, إلى تغيير أسماءهم, لتجنب الشبهة وعدم الكشف عن حقيقة عملهم لحساب هذه
القنوات, كما لن نتوقف أيضا عند الصعوبات, التي تحول دون السماح, لمساهمات من خارج
مجموعة الاتصال المحددة, والتي تملك كود خاص أو أرقام خاصة لتسهيل تلقي اتصالاتها,
وغير ذلك من تقنيات تتحكم بلعبة البث المباشر...الخ ما يفترض أن يكون معروفا, لكل
من لديهم ولو خبرة بسيطة في تقنيات العمل الإعلامي, و.....لكن؟!
دعونا نتوقف عند بعض المساهمات, التي تندرج
في إطار المغامرة, اقصد السماح بتقديم مساهمات من خارج مجموعة الاتصال, وهي في
الواقع مغامرة بدورها محسوبة بمنتهى الدقة, و.........من
يرددون الشتائم, أو عبارات الإنشاء, في معرض التعبير عن الموقف المعادي من نظام
صدام حسين مثل,ا يتم عدم مقاطعتهم, لأن هذا النمط من المساهمات البليدة, التي
تنطلق في الظاهر من وجهة نظر معارضة لتوجهات هذه القنوات, غير مقنعة للمتلقي من
جهة, وتساعد من جهة أخرى, هذه القنوات على مواصلة مزاعمها, بالحرص على توفير
الفرصة أمام جميع وجهات النظر, بالعدل والقسطاط , واستغلال ذلك بالطبع لكسب المزيد
من المصداقية لمواصلة تأثيرها السلبي على وعي المتلقي.
أما في حال كون المساهمة لمتحدث, على قدر
مناسب من الوعي, ويعرف بالتحديد ماذا يريد قوله, وبصيغة مناسبة, واعتمادا على
الوقائع الدامغة, فأن الرد يأتي سريعا : أنت تعيش خارج العراق, ولأتعرف أي شيء عن
العراق!! و…ينتهي الاتصال أو بالأحرى يتم الاتصال بوزير صدامي, ليحدثنا عن حقيقة
ما يجري في العراق!!
ولنأخذ على سبيل المثال أحد حلقات برنامج (
الاتجاه المعاكس) التي تم تكريسها لمناقشة واقع المعارضة العراقية, والتي كانت
مثالا صارخا على هذا الذي نقوله, حول طبيعة دور هذه القنوات في خدمة توجهات أنظمة
القمع والتخلف!!
من قبيل السذاجة المفرطة, تصور أن هذه
الحلقة بشكل خاص, كانت تستهدف توفير الفرصة أمام المشاهدين من الدول العربية,
للوقف على تصورات ومواقف قوى المعارضة العراقية من نظام صدام, والوضع الراهن في
العراق, بدليل أن البرنامج اختار اثنين من المرتزقة للحديث باسم المعارضة
العراقية!
أحدهم مرتزق أمريكي, والأخر لا يجد أي حرج,
لمواصلة الدفاع عن نظام صدام وحروبه القذرة, ولا يملك سوى دوافع ذاتية( أبعاد
عشيرته عن التحكم برقاب العباد) لتبرير انتقاله المزعوم إلى المعارضة!!!
و..... وكما كان متوقع تماما, تحول البرنامج إلى
حلبة مفتوحة, لتبادل الصراخ والشتائم, وحتى التهديد بالضرب (بالقنادر) بهدف واحد
ووحيد, وهو تشويه صورة المعارضة العراقية إلى ابعد الحدود أمام الرأي العام
العربي, والتأكيد على عدم وجود بديل لسيدهم وولي نعمتهم صدام! ولأن الطبخة كانت
مفضوحة للغاية, يعني جدا جدا!أسرع نظام صدام, في محاولة لذر الرماد في العيون, إلى
التعبير عن زعله وانزعاجه الشديد! للسماح بمهاجمته عبر هذا البرنامج بالذات!!
ترى ماذا كان يريد ألا فندي صدام وأجهزة
دعايته, أكثر من أن يتم تقديم معا رضيه بهذه الطريقة المثيرة للسخرية وللقرف في
الوقت ذاته؟! وكيف يمكن أن نصدق مزاعم غضب صدام, من قناة الجزيرة, وتحديدا من
برنامج الاتجاه المعاكس, في ذات الوقت الذي تم فيه الإعلان, عن مباشرة طالبة في قسم الصحافة في جامعة
بغداد, كتابة أطروحة مكرسة خصيصا, لمقدم هذا البرنامج فيصل القاسم بالتحديد,
باعتباره أحد ابرز الإعلاميين العرب في العصر الراهن.. والذي..والذي…الخ؟!
تساؤلات وغيرها كثير, من السهولة تماما
معرفة أجوبتها, اللهم إلا لمن اختار أن يلعب دور (الطلي) مع سبق الإصرار والترصد!!
هذا دون أن نلغي من الاعتبار, أن موقف قطر وقناتها الفضائية من صدام ونظامه مرهون
بمزاج دينصورها الحاكم, وهو مزاج عرضة لأن يتغير 180 درجة خاصة إذا تخلص جنابه ذات
يوم من تبعات النفخة الكذابة جراء ولعه الشديد بالبامية العراقية!!
هل ترنا ندعو والحالة هذه إلى مقاطعة هذه
البرامج وعدم الاستفادة مما يمكن أن توفره من فرص للوصول إلى ملايين المشاهدين من
الدول العربية ممن يتابعون هذه المحطات بغض النظر عن تقييماتنا وتصوراتنا حول
طبيعة وجهة وتوجهات هذه القنوات؟! ذلك ما سنحاول الرد عليه في العدد القادم.
مطبوع الحقيقة
العدد (11- 12 ) أيلول 1999