رسالة الى القاضي عارف الشاهين رئيس المحكمة الجنائية العراقية العليا

 

حماك الله وسدد خطاك

جميع القضايا التحقيقية التي يستكمل التحقيق فيها يتم احالتها على أحدى محاكم الجنايات التابعة لمحكمتكم الموقرة ، وتابعنا بأهتمام قضية جريمة الدجيل التي انتهت بالحكم على المجرمين ، ولم نزل نتابع مجريات قضية الأنفال .

والحق أقول لك إن قضية الأنفال لم تأخذ مداها وحجمها الحقيقي ، ولم توضح المحاكمة للعالم جرائم الأبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية ولا أنتهاكات القوانين العراقية بشكلها الذي يمكن إن تبقى في ذاكرة العالم في هذه القضية ، وكلنا يعرف إن ما جرى في جرائم الأنفال كان بقصد ابادة شعب كوردستان ، وما جرى من وقائع وتفاصيل لم يتم استيعابه من قبل سلطات التحقيق ، لأسباب لايمكن التخمين بها ، وقضية مثل الأنفال لسنا مسرورين لنهايتها والحكم على من يتم اثبات أدانته ، لأنها لم تفضح دور الطاغية وعقله المريض في هذه القضية ، ولا فصلت ووضحت لنا دور وأسماء الجناة ممن كان يستعمله الطاغية سوطا وسيفا وآلة لقتل البشر والتنكيل بهم وتعذيبهم وأهلاك الأطفال الرضع وقتل الشيوخ العجزة والنساء الحوامل ودفن الأحياء في المقابر الجماعية ، لم نتعرف الا عدد قليل من المتهمين لايمكن إن يتم أختزال هذه الجريمة الإنسانية بهم .

في قضية الأنفال ثمة أسماء نزعت عنها الضمير وباتت تشبه البشر شكلا ، وقرأت النوازع المريضة في عقل الدكتاتور ، وشرعت في تنفيذ تلك النوازع بمخططات وعمليات وحفلات أعدام ، تلك الأسماء لم تتعرض لها سلطة التحقيق ولا وردت ضمن سياق جلسات المحكمة ، ولم نسمع إن قضايا فرقت بحقهم لتجري محاكمتهم غيابيا أن كانوا هاربين .

نثمن عاليا دور الأدعاء العام بأعتباره المعبر الحقيقي عن تمثيل الحق العام ، ونثمن دور القضاة في ادوار التحقيق وفي المحاكمات وفي عضوية الهيئة التمييزية .

وانتم تعرفون وضع العراقيين الذين انتشروا في كل بقاع الارض ، واستقر العديد منهم في تلك المدن النائية التي وفرت لهم الكرامة والامان التي سلبها منهم الطاغية ، هؤلاء من بينهم مشتكين لهم شكاوى تتضمن صور لجرائم ووقائع تفتت الصخر ، كما لهم بينات وسندات ليس بقصد تسجيل اسماؤهم أو تعويضهم على الضرر الجسيم ، أنما بقصد توضيح الصورة الحقيقية لما جرى في واقعة الانفال .

هذه الاعداد حرمت من تسجيل الشكوى والادلاء بالشهادة بسبب عدم تمكنها من الحضور ،لأسباب مالية أو أمنية أو مرضية أو لظروف خاصة ، كما إن السفارات العراقية الفتية تفتقر للمستشارين القانونيين مما اعجز السفارات من تدوين اقوال المشتكين وارسالها الى المحكمة لربطها باضبارة القضية في موعدها المقرر ، وستبقى تلك الشهادات مطمورة في صدور اصحابها لاتقيدها محاضر التحقيق والمحاكمة ، ولاتشخص افعال بعض المتهمين الخسيسة بحق شعب كوردستان ، ولاتفضح دور بعض الاسماء التي لم يطلها التحقيق والاجراءات القانونية .

كما ستتكرر المشكلة مع القضايا الاخرى ، فثمة عراقيين يطلبون توفير السبل التي تمكنهم من تدوين اقوالهم المنتجة في القضايا التي ستعرض إمام المحكمة ، لذا نناشدكم إن تجدوا مع وزارة الخارجية العراقية ما يقم بتسهيل تدوين تلك الشهادات .

وإذا كنا قد كتبنا وعلقنا الكثير عن تلك القضايا التي عرضت على الملأ من خلال علانية المحاكمة وتوفير كل الضمانات التي وفرها للمتهمين قانون اصول المحاكمات الجزائية وقانون المحكمة وقواعد جمع الأدلة فيها ، فأننا نود إن نلفت انتباهكم الى مسألة غاية في الأهمية .

ستكتمل في الفترة اللاحقة بقية القضايا التحقيقية ، وستكون الجريمة المرتكبة بحق الكورد الفيلية أوسع مما يمكن إن يستوعبه التحقيق القضائي ، حيث كان التحقيق الأبتدائي اصلا يفتقر للعديد من الأسس التي تجعل هذه القضية بمستوى الحد الأدنى من الجريمة المرتكبة .

ما جرى للكورد الفيلية لايتحدد ضمن أطار التسفير ومصادرة الأموال ونزع الحقوق ، ولافي احتجاز الالاف منهم في سجون صدام دون تهمة ودون وجود جرم ارتكبوه ، جريمة الكورد الفيلية تبدأ من أخضاع اعداد كبيرة من شبابهم للتجارب الكيمياوية ، وهذه الجريمة الإنسانية التي اودت بحياة الالاف منهم بحاجة لتبصير وتأني ، وان نستوعب أسماء المتهمين الذين اشتركوا بتنفيذها ، وأن يتعرف العالم على نوع تلك الجريمة التي لم تمارسها ابشع السلطات وأكثرها همجية بحق المدنيين من شعوبها ، وأن يتم التعرف على أماكن دفن تلك الجثث ، فثمة أسماء لم تزل طليقة وتعرف كل الأسرار .

 

والقوافل التي سيرت من رجال الكورد الفيلية وسط حقول الالغام لم تكن ياسيدي لغرض العبور الى الأراضي الايرانية بقصد تهجيرها ، وأنما كان لغرض تفجير تلك الأجساد في حقول الالغام والتخلص منها وسط تلك الحقول وبقاء تلك الجثث مرمية ومكشوفة تحت تلك الظروف ، وجميع الشهداء من ابناء الكورد الفيلية من الطاقات والكفاءات العراقية المتميزة ومن المدنيين ، ثمة من نزع ضميرة وسحب عليه الماء وبقي منزوع الضمير من قام بتلك الأفعال الشنيعة ، من نزع ضميره ساهم بأقسى ما يستطيع بالتنكيل وأيذاء الكورد الفيلية ، ولم نزل نترقب إن توافينا سلطة التحقيق ليس بأعداد الشهداء ، وانما باسماء منفذي تلك الجرائم من ذيول الحاكم المشنوق ، وان تكشف لنا تفاصيل تلك العمليات التي ربما لم يعرفها أو يسمع بها العالم .

لم تزل امهات الكورد الفيلية تناشدكم ايها الزميل أن يتم الالتفات الى المحنة الفيلية التي تعرض لها العراق في زمن هجين وبذيء ، وينطلق صوتهن يناديكم للأستماع الى تلك الشهادات الدامغة ، مثلما يطالب أخضاع الأسماء المعروفة في مديرية جنسية بغداد والمسؤولين عن التسفير في حينها الى التحقيق ، ممن تصوروا إن ارتكاب الجرائم المنحطة ضد الكورد الفيلية سيرفع من شأنهم عند الحاكم الدكتاتور .

هذه الاسماء التي تركت جرحا غائرا في ارواح الشهداء واهاليهم ، واوغلت في خستها بعد إن نزعت الضمير ، هذه الأسماء اليوم مطالبة إن يتم اخضاعها للتحقيق ، وليست الغاية إن يتم الحكم فقط على الجناة ، فمن يعيد كل تلك الأرواح اذاماتم اعدام الجاني ، وكيف نجعل الصبر والقناعة يحلان في صدور الأمهات اللواتي لم يزلن ينتظرن بعيون تحجرت دموعها كل تلك الوجوه العبقة وهي تحمل شهاداتها الجامعية وارواحها البريئة التي دفنت سرا في قبور مجهولة .

الله الله في قضية الكورد الفيلية ، فهم بحاجة لتبيان حقيقة ما جرى لهم قبل إن يطالبوا بالحكم على القلة من الجناة الذي طالهم التحقيق ، والله الله في قضية هؤلاء ممن تقطعت بهم السبل وزاد من حزنهم انه لم يتم الالتفات الى محنتهم حتى اليوم ، ويزيد حزنهم أكثر انتشارهم في كل ارجاء الدنيا يطرزون مدنها بأرواحهم الباسلة والمشرفة وهم اهل العراق .

جئتك بهذه الكلمات بحكم كوني زميلا لك ومن دورة قضائية واحدة ، و صديقا أعتز بصداقته ، وسوية كنا نشكو هموم العراق في الزمن الصدامي ، وبحكم كونك الرئيس الأعلى للمحكمة اليوم ورئيسا لهيئتها التمييزية ، ولما عهدته فيك من السمو الأخلاقي والتواضع والأستقامة ، اعرض لك إن الحقيقة هي ماتريده الناس وأن يتم توضيح ما جرى لهذه الشريحة التي غبنها الأعلام وكتم على حقيقتها النظام البائد .

لم تزل كل الناس تريد توثيق الحقيقة للتاريخ ، فثمة أجيال قادمة ينبغي عليها إن تتعرف على ما حل بالعراق ، ولماذا تعرض الكورد الفيلية لمثل ما تعرضوا له ؟ ولماذا تمت مصادرة اموالهم ونزعت املاكهم بطرق غير قانونية وغير شرعية ؟ ولم تزل الجهات المسؤولة تطالبهم إن يسلكوا طريق القانون في استعادة ما سلبته منهم الدكتاتورية بالطريق غير القانوني وتلك معادلة غير عادلة .

وستبقى محاضر التحقيق والمحاكمة مرجعا تأريخيا يكشف الحقيقة ويثبت الأحداث وتفاصيل مجرياتها في زمن غابت فيه الحقيقة وماتت فيه القيم والمروءة وعز فيه الرجال ، ولهذا نتطلع الى إن تلتفتوا الى هذا الجانب قبل إن يتم احالة القضية مجردة من تلك الروابط المهمة في التحقيق ، بل إن يتم اختزال كل تلك الجريمة الإنسانية التي حصلت بقصد اهلاك جميع الكورد الفيلية اهلاكا كليا ، وقتل اعداد كبيرة منهم لم تزل جثامين المئات منهم غير معروفة المصير وأماكن الدفن مجهولة ، بالأضافة الى قتل الأطفال وحجز العوائل في المحاجر وفي سجن نقرة السلمان الصحراوي ، وموت العديد من النساء والشيوخ تحت تلك الظروف المناخية القاسية ، بالأضافة الى التدابير القاسية وغير القانونية التي مورست بحقهم ، ليتم اختزالها بعدد صغير من المتهمين يتم تحميلهم وزر الجريمة الكبرى .

لقد أكملت ياسيدي كتابا عن المسؤولية القانونية في قضية الكورد الفيلية ، ولظروفي المالية لم استطع إن اطبع الكتاب بالسرعة التي يمكن إن يحقق منها الغرض المنشود ، ليس لي علاقة بريعه وتوزيعه ، فقد تبرع اهل الخير بذلك دون إن ننتظر شكرا سوى الثواب من الله في مناصرة هذه الشريحة ، وعلى امل إن نقوم بتوزيعه في اقرب فرصة ممكنة ، ليطلع الناس على المعالم القانونية للخروقات التي مارستها سلطة البائد صدام بحق أهل العراق من الكورد الفيلية وما لهم وماعليهم من حقوق .

الفت عنايتكم الى أهمية ما خفي في هذه القضية حيث إن الأدلة والقرائن في بقية القضايا واضح وملموس ، أما ما حصل في قضية الكورد الفيلية ، فقد تم التعتيم عليه تحت انظار جميع المنظمات الإنسانية المتباكية على حقوق الإنسان ، وتحت انظار الأمم المتحدة ، ويكفي للعلم انه لم تزل حتى اليوم ، وأكرر حتى اليوم أعداد كبيرة من الكورد الفيلية تسكن الخيام في الاراضي الآيرانية بحالة مزرية وبائسة

 

22/02/2007

زهير كاظم عبود